صالح أحمد العلي

19

المنسوجات والألبسة العربية في العهود الإسلامية الأولى

أدى قيام الدولة الإسلامية وتوسّعها إلى تبدلات في الأحوال المؤثرة في التجارة والاستهلاك ، وبخاصة ما يتصل بالمنسوجات والألبسة ومراكز الاستهلاك . فقد تقلّصت الطبقة العليا التي كانت مهيمنة إبان حكم الساساني ، وقل الإقبال على المنسوجات المفضلة عندها ، وحل محلها العرب الذين كانوا يقيمون في الأمصار ، وتوزّع عليهم الدولة العطاء والرزق مما قوّى قدرتهم الشرائية للسلع المفضلة عندهم . ولكنهم كانوا أميل إلى متابعة استعمال منسوجات بلاد الجزيرة العربية التي حافظت على رواجها أمدا ، وتناقص الطلب على المنسوجات المترفة التي كانت تقبل عليها الطبقة الساسانية العليا المتهاوية . وقد مرت سنوات قبل أن تقوى العلية العربية التي تستعمل الملبوسات المترفة . ثم إن الدولة الإسلامية الجديدة امتدت على أراض واسعة وضمت أقاليم كثيرة وأباحت حرية العمل والتنقل ، فازدهرت بين أرجائها تجارة السلع التي كان يحتاج إليها المجتمع . ولا بد أن هذه التطور امتد إلى انتقال عدد من الصنّاع بخبراتهم إلى المراكز الكبرى للاستهلاك ، ليقيموا مراكز جديدة لصناعة السلع التي عرفوا بها . فلم يعد صنع المعافري مثلا مقصورا على اليمن ، وإنما صار أيضا يصنع في أماكن أخرى . ولعل بعض ما اشتهرت بصناعته الكوفة في القرن الثالث راجع إلى مهارات صنّاع يمانيين انتقلوا إليها ، وبذلك لم تعد تسمية منسوج معيّن دليلا جازما على المكان الذي صنعت فيه . تتوفر عن المنسوجات في الحجاز إبان القرن الأول معلومات تفوق ما يتوفر عن الأقاليم الأخرى . ومرجع بعض ذلك أن المدينة ومكة كانتا مقام الرسول ( ص ) والصحابة وأكثر التابعين ، وكلهم لقيت حياتهم اهتماما خاصا من الرواة والفقهاء ، إضافة إلى كثرة عدد المعنيين بحياة الترف من أهلها . وكثرة الأخبار عن الحجاز لا تعني قلة اهتمام أهل الأمصار الأخرى بالملبوسات وما يتصل بها . وللمنسوجات والملبوسات علاقة وثقى بتقنيات الصناعة وموادها وخصائصها ومدى استعمالها وأسعارها وعلاقتها بالحياة الاقتصادية والاجتماعية ، مما لم